محمد باقر الملكي الميانجي
235
مناهج البيان في تفسير القرآن
عزّ وجلّ : « يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا » . [ مريم ( 19 ) / 13 ] فلمّا بلغ عيسى عليه السلام سبع سنين تكلّم بالنبوّة والرّسالة حين أوحى اللّه تعالى إليه ، فكان عيسى الحجّة على يحيى وعلى الناس أجمعين ، وليس تبقى الأرض - يا أبا خالد - يوما واحدا بغير حجّة للّه على الناس منذ يوم خلق اللّه آدم عليه السلام وأسكنه الأرض . قوله تعالى : « قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ » . بعد ما استجاب اللّه - سبحانه - دعاء زكريّا في طلب الولد ، أراد أن يعلم أنّه كيف يكون له ولد ، وقد بلغ من الكبر إلى حدّ فقدت شرائط التوالد وكانت امرأته عاقرا ؟ قوله تعالى : « قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ » . ( 40 ) جواب عن تعجّبه واستبعاده بأنّ اللّه قادر ، يفعل ما يشاء . قوله تعالى : « قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً » . ليس سؤال زكريّا عليه السلام ربّه أن يجعل له آية لرفع الشكّ والترديد في وعده - سبحانه - بل الظاهر أنّه بعد الإيمان بتحقّق القضيّة وانبساطه وسروره بذلك ، والإذعان لتحقّق وعده تعالى ، أراد أن يكون عارفا وعالما بحقيقة القضيّة ، وتشخيص هذه الكرامة على ما هي عليه من الأسرار والرموز . قوله تعالى : « قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً » . أي آيتك في ذلك أنّك لا تقدر على التكلّم بلسانك إلّا بذكر اللّه وتسبيحه وتقديسه . ومن عجائب القضيّة أنّ زكريّا لم يقدر على التكلّم في شأن هذا القضيّة ، مع قدرته على تسبيحه - تعالى - وتهليله وتقديسه . قوله تعالى : « وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ » . ( 41 ) الظاهر أنّه - تعالى - أمر زكريّا بتسبيحه وتقديسه بالعشيّ والإبكار شكرا لهذه النعمة الكريمة والكرامة الباهرة .